كمال الدين دميري
312
حياة الحيوان الكبرى
كفايته ، ثم حمد اللَّه تعالى وقام وجلس مكانه أولا ، فخرجت عليه ، فقالت له : يا سلطان بعد ثلاثة أيام أما صد عنك هذا الذهب والفضة والجوهر سلطان الجوع ؟ وقد أغناك عن هذا كله ما قيمته درهم واحد ؟ فمالك والتعرض إلى أموال الناس ، وأنت بهذه المثابة ؟ فقال لها الإسكندر : لك بلادك وأموالك ، ولا بأس عليك بعد اليوم ، فقالت له : أما إذا فعلت هذا فإنك لا تخسر ، ثم إنها قدمت له جميع ما كانت قد أحضرته ، وكان شيئا يحير الناظر ، ويذهل الخاطر ، ومن المواشي شيئا كثيرا . فنزل إلى عسكره ، وقبل هديتها ورحل عنها . وذكر غيره أنه كان في الهدية ثلاثمائة فيل ، وأنه دعاها إلى اللَّه تعالى فآمنت وآمن أهل مملكتها . غريبة : ذكر صاحب النشوان أن خارجيا خرج على ملك الهند ، فأنفذ إليه الجيوش ، فطلب الأمان فأمنه فسار الخارجي إلى الملك ، فلما قرب من بلد الملك ، أمر الملك الجيش بالخروج إلى لقائه ، فخرج الجيش بآلات الحرب ، وخرجت العامة تنتظر دخوله ، فلما أبعدوا في الصحراء ، وقف الناس ينتظرون قدوم الرجل ، فأقبل وهو راجل في عدة رجال ، وعليه ثوب ديباج ومئزر في وسطه ، جريا على زي القوم ، فتلقوه بالإكرام ، ومشوا معه حتى انتهى إلى فيلة عظيمة ، قد أخرجت للزينة ، وعليها الفيالون ، وفيها فيل عظيم يختصه الملك لنفسه ، ويركبه في بعض الأوقات ، فقال له الفيال لما قرب منه : تنح عن طريق فيل الملك ، فلم يبد له جوابا ، فأعاد عليه القول ، فلم يبد له جوابا ، فقال له : يا هذا احذر على نفسك وتنح عن طريق فيل الملك ، فقال له الخارجي : قل لفيل الملك يتنحى عن طريقي ، فغضب الفيال وأغرى الفيل به بكلام كلمه به ، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجي ، ولف خرطومه عليه ، وشاله الفيل شيلا عظيما ، والناس يرونه ثم خبط به الأرض ، فإذا هو قد وقع منتصبا على قدميه قابضا على خرطوم الفيل ، فزاد غضب الفيل فشاله الثانية ، أعظم من الأولى ، وعدا ثم رمى به الأرض فإذا هو قد حصل مستويا على قدميه ، منتصبا قابضا على الخرطوم ، ولم ينح يده عنه فشاله الفيل الثالثة ، وفعل به مثل ذلك فحصل على الأرض منتصبا قابضا على الخرطوم ، وسقط الفيل ميتا ، لأن قبضه على الخرطوم تلك المدة منعه من التنفس فقتله . فأخبر الملك بذلك ، فأمر بقتله ، فقال له بعض وزرائه : يجب أيها الملك أن يستبقى مثل هذا ، ولا يقتل فإن فيه جمالا للمملكة ، ويقال إن للملك خادما ، قتل فيلا بقوته وحيله ، من غير سلاح ، فعفا عنه واستبقاه . وذكر الطَّرطوشي « 1 » وغيره أن الفيل دخل دمشق ، في زمن معاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه تعالى عنهما ، فخرج أهل الشام لينظروه لأنهم لم يكونوا رأوا الفيل قبل ذلك ، وصعد معاوية سطح القصر للفرجة ، فلاحت منه التفاتة ، فرأى رجلا مع بعض حظاياه في بعض حجر القصر ، فنزل مسرعا إلى الحجرة ، فطرق بابها فقيل : من ؟ قال : أمير المؤمنين ، ففتح الباب ، إذ لا بد من فتحه طوعا أو كرها ، فدخل أمير المؤمنين معاوية فوقف على رأس الرجل وهو منكس رأسه ، وقد خاف خوفا عظيما ، فقال له معاوية : يا هذا ما الذي حملك على ما صنعت من دخولك قصري ،
--> « 1 » الطرطوشي : محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الأندلسي ، أبو بكر ، أديب فقيه من الحفاظ . وفاته سنة 520 ه .